كتاب نقدي : شذرات متفرقة من حكايات بولاق الدكرور العجائبية في سيدني و إدنبرة و ديار البكريين التركمان بالقضارف الجديدة
شذرات متفرقة من حكايات بولاق الدكرور العجائبية في سيدني و أدنبرة و ديار البكرين بالقضارف الجديدة
مصعب الرمادي
شذراتٌ متفرقةٌ من حكايات بولاق الدكرور العجائبية في سيدني و إدنبرة و ديار البكريين التركمان بالقضارف الجديدة
______
الكتاب:
الكاتب : مصعب الرمادي
تاريخ الطبع : يناير 2025م
حقوق الطبع والتأليف محفوظة للمؤلف
_____
*الأهداء :
إلى الذين ولدوا في الأزقة المائلة على نهرٍ لم يكن لهم،
إلى الذين فقدوا ظلَّهم في مطاراتٍ بلا مآذن ولا نجوم،
إلى الذين ما زالوا يحنّون إلى رائحة المساكن الترابية في المطر،
إلى الذين لم يسألوا يومًا: أين تنتهي بولاق الدكرور، وأين يبدأ الوطن؟
__________
*توطئة
كان محمد يوسف بن عبد الله الدكرور، الملقّب في الحكايات الشعبية بـ«بولاق الدكرور»، رجلاً منسوجًا من طين القاهرة وماء النيل، لا يُعرف له نسبٌ دقيق، ولا مكان ولادةٍ محدد. وُجد فجأة في بدايات القرن العشرين على أطراف حي بولاق، يحمل في يده اليمنى مسبحة من عظام الحمام، وفي اليسرى دفترًا صغيرًا كُتب عليه بالخط المغربي: "إن لم تجد الله في الأزقّة، فلن تجده في المساجد."
عُرف عنه أنه كان يعلّم الأولاد الحروف لا بالنطق، بل بالظلّ، وكان يقرأ القرآن بالعكس كما يروي العارفون، يبدأ من الناس وينتهي بـالفاتحة، زاعمًا أنّ رحلة الروح تبدأ من تعدّدها نحو وحدتها، لا العكس.
تقول الروايات إنّه سافر بعد حريق القاهرة إلى الحبشة، ومنها إلى القضارف، ثم شوهد بعد عقود في ميناء سيدني، بوجهٍ أسمرٍ يضيء كالفجر، يرتدي جلبابًا دنقلاويًّا ويحمل مسبحته القديمة. هناك صار رمزًا للتيه العربي–السوداني في المنفى، مزيجًا من الوليّ والمجنون، ومن الفيلسوف والمهندس الشعبيّ الذي يصنع من الخردة مآذن ومن الزجاج الملون أضرحة.
في أدنبرة، عاش بين الطلبة السودانيين والمهاجرين من نيجيريا واليمن، وكان يحدّثهم عن «ديار البكريين التركمان في القضارف الجديدة» كما لو كانت جنّة خضراء في آخر العالم، حيث تلتقي العروق التركمانية بالدناقلة، وتغتسل الهويات في مطرٍ لا ينتهي.
هكذا صار بولاق الدكرور أكثر من إنسان: صار فكرةً متجولةً عن الوطن المفقود، عن الفنّ الذي يولد من القهر، وعن الأيديولوجيا التي تحاول عبثًا أن تفسّر الحنين.
قهوة بالحليب على مقهى دار أوبرا سيدني
I
في مقهى صغير على رصيف جورج ستريت بسيدني، كان بولاق الدكرور يجلس كل مساءٍ يشرب قهوته بالحليب، ويكتب على المناديل ورؤوسها آياتٍ مقلوبة. كان يقول للرواد: «يا أبنائي، المدينةُ لا تعرف مَنْ بناها. لكنّها تحفظ أسماءَ الذين هربوا منها.» ثم يضحك ضحكةً تشبه سقوطَ المطر على الصفيح. لم يكن أحد يعلم أنه في الحقيقة يدوّن «الجزء المفقود من التاريخ السوداني»، ذلك الذي يبدأ من الحفر لا من القصور، من صوت المغترب لا من خطاب الوزير.
II
حين ظهرت أولَ مرة في أدنبرة ملاحظةٌ صغيرة بخطِّه على جدار كنيسةٍ قديمة تقول: «المنفى شكلٌ من أشكال العبادة»، ظنّ الناس أنّها نكتةٌ وجودية، لكنّ طلاب الدراسات ما بعد الكولونيالية جعلوها مادة بحثٍ أكاديميّ. كانوا يتجادلون حول ما إذا كان بولاق وجوديًّا أم متصوّفًا أم ماركسيًّا متأخرًا. أما هو فكان يقول ببساطة: «كنتُ فقط أبحث عن ظلّي، فوجدتكم تكتبون عنه مقالات.»
III
في القضارف الجديدة، عند انحدار المطر في نهاراتٍ مطيرةٍ تلمع فوق الطين، كان بولاق يطوف الأسواق بعكازه الطويل، يراقب أبناء البكريين التركمان وهم يغنّون بلغاتٍ لا يعرفها سوى الريح. كان يقول: «كلُّ لسانٍ ضائعٍ هو وطنٌ مؤجَّل». وذات مساءٍ جمع الأطفال وأراهم كيف تتحوّل مياهُ السيول إلى مرايا، وكيف يمكن لوجه الإنسان أن يتكثّف في بركةٍ صغيرة من الطين كما يتكثّف في مرآة القمر.
IV
روى بعض العجائز في سيدني أنه شوهد يبيع حلوى غريبة الشكل، ويقول إنّها مصنوعة من «سكر الطفولة» و«ملح الاغتراب». من يأكلها يتذكّر فجأةً بيتَه الأول، حتى وإن لم يكن له بيت. في تلك اللحظة، أصبح اسمه يُذكر في الصحف كمجنونٍ نبيٍّ، أو نبيٍّ مجنونٍ، ولم يفرّق أحدٌ بين الاثنين بعد ذلك.
V
في ليالي إدنبرة الشتوية، كان يجلس على جسر «ليث» المبتلّ، يحدّث الغيوم بالعربية القديمة، فيُخَيّل للمارة أن صوتًا من المئذنة القديمة يتهجّى أسماء المدن التي ضاعت. قال له شابٌّ مغربي: «يا عمّ بولاق، ألا تشتاق للقاهرة؟» فأجابه: «القاهرةُ تشتاق لي، وأنا لم أعد أثق في المدن التي تبكي بعد أن تقتل أبناءها.»
VI
في القضارف الجديدة، حيث تمتدُّ ديار البكريين التركمان، تردّد اسمُه في الأعراس والجنائز. قيل إنه وضع «نظرية المطر الثقافي»؛ يرى أن الثقافة، مثل المطر، لا تختار أرضها، لكنها تفيض حيث تُستقبل بالتراب الطيب. لهذا، كان يزور المدارس ويعلّم الأطفال أن يرسموا العلم السوداني بالأزرق والرمادي بدلاً من الأحمر والأسود، قائلاً: «الألوان أيضًا مهاجرون.»
VII
في سيدني، افتتح معرضًا للفن الشعبي تحت عنوان «من الشيشة إلى الميتافيزيقا». عرض فيه لوحاتٍ رسمها بموادّ مستعملة: رماد، طين، قهوة، وبقايا ورق الجرائد العربية. كتب في دليل المعرض: «الفن ليس وسيلةً للتعبير عن الذات، بل وسيلة لتذكّرها حين تنكسر.»
VIII
حكى أحد أصدقائه، وهو بحّار من أسمرة، أنه رآه ذات ليلةٍ يسير عكس الناس في مرفأ سيدني، يحدّق في السفن المغادرة، ويقول: «من خرج من وطنه بحثًا عن الله، سيجده في وجوه العابرين لا في المحاريب.»
IX
في أدنبرة، عندما هطل الثلج للمرة الأولى، كتب على جدار الفندق: «أنا لاجئ في الذاكرة، لا في الجغرافيا». وقيل إنّ السلطات استدعته ظنًّا أنه يخفي هويةً مزيّفة، لكنه حين سُئل عن جوازه، مدَّ لهم مسبحته قائلاً: «هذا هو جواز عبوري منذ خرجت من رحم القاهرة.»
X
في القضارف الجديدة، بعد أن انقشع المطر وبدأت الشمس تلمع فوق البيوت الطينية، اجتمع حوله الأطفال وسألوه عن معنى الوطن. أجابهم: «الوطنُ هو آخرُ مكانٍ ما زلتَ تستطيع أن تحكي فيه قصة دون أن يضحك أحد.»
XI
يقول بعض المهاجرين السودانيين في سيدني إنه كان يزورهم في الأحلام، يوقظهم في منتصف الليل ليقول: «لا تتركوا لهجتكم تموت في النوم.» ثم يختفي. فصاروا بعد ذلك يكتبون الشعر بلسانين: لسانٍ عربيٍّ رسمي، ولسانٍ منزوعٍ من الأمّ، يسمّونه «اللغة البولاكية».
XII
في أدنبرة، كان يجلس في مكتبة الجامعة ويقرأ «هايدغر» بالعربية، ثم يغلق الكتاب ويقول: «لو وُلد هايدغر في أم درمان، لكان مؤذنًا.» ضحك الطلبة، لكنه لم يبتسم. قال لهم: «الفلسفة تبدأ حين نكفّ عن الاعتذار للغرب عن وجودنا.»
XIII
في ديار البكريين التركمان، أقام مهرجانًا صغيرًا للفن العابر للهوية، دعا فيه الرسامين والحدّادين وصانعي الطين. قال في كلمته: «كلُّ مسمارٍ هو فكرة، وكلُّ جرحٍ هو لون. ليس علينا أن نختار بين الحديد والقصيدة، فكلُّ شيءٍ يُصاغ بالنار.»
XIV
في سيدني، بعد فيضانٍ صغيرٍ ضرب الضواحي، شوهد وهو يطفو على قاربٍ مصنوعٍ من الصحف القديمة، يقرأ بصوتٍ عالٍ مقاطع من روايات الطيب صالح، ويقول للناس: «هذا وطنٌ من الكلمات، لا يغرق.» كانت تلك آخرَ مرة يُرى فيها في أستراليا.
XV
وفي ليلةٍ من ليالي إدنبرة الصافية، خرج من الفندق دون أن يودّع أحدًا. ترك وراءه دفترًا صغيرًا كُتب على غلافه: «القضارف الجديدة – نسخة مُنقّحة من الفردوس.» لم يُعرف مصيره، لكنّ الحكايات تقول إنّ المطر في القضارف صار بعد رحيله أكثر صفاءً، وأنّ أطفال التركمان ينامون وهم يردّدون: «بولاق رجع، لكنه في الغيم.»
_________
يتبع
__
نوفمبر 2025م
السفارة العمانية - الخرطوم



تعليقات
إرسال تعليق