مقالات نقدية : كلمات
كلمات

مصعب الرمادي
كلمات
_________________
الكاتب : مصعب الرمادي
الكتاب : كلمات
تاريخ الطبع : مارس 2026م
حقوق التأليف والطبع محفوظة للمؤلف
____________________________________
كلمة الأمانة العامة لاتحاد كتاب القضارف
بمناسبة النسخة السابعة والعشرين من اليوم العالمي للشعر
في السودان، ومن القضارف التي تعلّمنا كيف تنبت القصيدة كما تنبت زهرة بخور مريم بين الصخور الجافة و الجبال و المناطق الوعرة ، نعود لنؤكد أن الشعر ليس فقط احتفاءً باللغة، بل مشروعُ وعيٍ متكامل، يتقاطع فيه المحلي مع الإقليمي، والعربي مع الإفريقي، والوطني مع الإنساني.
أولاً: البعد الشرقاني (الإقليمي) في التوجهات والسياسات
إن اتحاد كتاب القضارف، بوصفه جسماً تنظيمياً مدنياً حراً، يستمد شرعيته من تطلعات إنسان شرق السودان، ويعبّر عن أشواقه الثقافية والتاريخية. نحن لا نعمل في فراغ، بل في فضاءٍ حيٍّ يمتد بين كسلا وولاية البحر الأحمر وولاية القضارف، حيث تتشكّل هوية شرق السودان بوصفها فسيفساء ثقافية غنية.
ومن هنا، فإن سياساتنا التنظيمية داخل المكتب التنفيذي وشُعَبه المختلفة تقوم على:
ترسيخ العمل الثقافي المؤسسي المرتبط بالمجتمع.
تعزيز المشاركة الحرة للمبدعين.
ربط الفعل الأدبي بقضايا الإنسان اليومية في الشرق.
إن هذا البعد الشرقاني ليس مجرد إطار جغرافي، بل هو روحٌ جمعية، تتجلى في اللغة، في الحكاية، في الإيقاع، وفي الذاكرة.
ثانياً: البعد العربي ورسالة الأدب والفنون
ينتمي شرق السودان إلى الفضاء العربي ثقافةً وتاريخًا، ويُسهم في إثرائه من موقعه الخاص. ومن هذا المنطلق، نرى أن توظيف الثقافة العربية يجب أن يتجاوز التلقي إلى الفعل والإنتاج، عبر:
دعم حركة الترجمة، بوصفها جسرًا للتفاعل الحضاري.
تطوير الصحافة الثقافية المحلية.
النهوض بقضايا الطباعة والنشر والتأليف في شرق السودان.
تعزيز دور مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في قراءة خصوصية الإقليم.
إننا ندعو إلى قراءة عميقة لثقافة الساحل السوداني، واستلهام إرث البجا العريق، ومقارنته بثراء الوسط في الجزيرة، وبالتنوع الثقافي في أقاليم دارفور وكردفان.
كما نفتح الأفق للمقارنة مع الثقافات الإنسانية الكبرى، مثل الثقافة اليونانية والثقافة العبرية، ومع التراث الإثيوبي العريق في إثيوبيا، التي تمثل جوارًا تاريخيًا وثقافيًا مهمًا، خاصة في سياق الهجرة إلى الحبشة في بدايات الدعوة الإسلامية، حيث تلتقي الجغرافيا بالتاريخ، وتتشابك الحدود مع الذاكرة.
ثالثاً: البعد الإفريقي لثقافة شرق السودان
إن القضارف ليست فقط مدينة سودانية، بل تمثل خلاصة إبداع جنوب شرق السودان، حيث تتقاطع الطرق بين الهضبة الإفريقية والسهول الزراعية، وبين الأعراق واللغات والتجارب.
هذا البعد الإفريقي يمنح شعرنا طاقةً خاصة، تتجلى في الإيقاع، وفي الصور، وفي الحكايات التي تحمل أثر الأرض والمطر والهجرة.
نحن نؤمن أن الشعر السوداني، من بوابة الشرق، قادر على أن يقدّم صوتًا إفريقيًا حديثًا، لا يذوب في الآخر، ولا ينغلق على ذاته.
رابعاً: البعد العالمي ومشروع الحداثة الشعرية
لقد شكّل بيان الحلنقا في كسلا علامةً فارقة في مسار التنظير للحداثة الشعرية بشرق السودان، حيث أسّس لرؤية إبداعية جديدة، تستلهم تحولات المدينة، ونشأة مجتمعات الحكم الولائي، وتوسع التعليم العالي عبر الجامعات الحكومية والأهلية.
ومن هذا المنطلق، فإننا نرى أن الحداثة الشعرية في القضارف ليست استنساخًا لنماذج خارجية، بل هي مشروعٌ محليٌّ منفتح، يتغذّى من التجربة اليومية، ومن التحولات الاجتماعية والسياسية، ومن تفاعل المدينة مع الريف، والجامعة مع السوق، والتاريخ مع المستقبل.
أيها الحضور الكريم،
إننا حين نتحدث عن مستقبل الشعر العربي الحديث في السودان، فإننا لا نرسم حلماً بعيدًا، بل نؤسس لمسارٍ يبدأ من هنا، من الشرق، من هذه الأرض التي تعلّمنا أن الكلمة مسؤولية، وأن الشعر موقف.
في زمنٍ تتشظى فيه الهويات، يقدّم شرق السودان نموذجًا للتعايش الثقافي الخلّاق.
وفي زمنٍ تتراجع فيه القيم، يظل الشعر هو الذاكرة التي لا تخون.
كل عام وأنتم بخير،
وكل عام والشعر في السودان يكتب نفسه من جديد،
من القضارف… إلى العالم.


تعليقات
إرسال تعليق